الشيخ عبد الغني النابلسي
251
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فجمع بين حصول الصّفة الّتي فيمن غبر ممّن ترك ولدا يحيى به ذكره ، وبين اسمه بذلك فسمّاه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذّوقيّ . فإنّ آدم حيّي ذكره بشيث ، ونوحا حيّي ذكره بسام ، وكذلك الأنبياء ولكن ما جمع اللّه لأحد قبل يحيى بين الاسم العلم منه وبين الصّفة إلّا لزكريّا عناية منه . إذ قال : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [ مريم : 5 ] فقدّم الحقّ على ذكر ولده كما قدّمت آسية ذكر الجار على الدّار في قولها : عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [ التحريم : 11 ] . فأكرمه اللّه بأن قضى حاجته وسمّاه بصفته حتّى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيّه زكريّا ، لأنّه عليه السّلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه إذ الولد سرّ إبيه ، فقال : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [ مريم : 6 ] وليس ثمّة موروث في حقّ هؤلاء إلّا مقام ذكر اللّه والدّعوة إليه . هذه ، أي حكمة يحيى عليه السلام حكمة الأوّلية في الأسماء ( ) - ، أي ظهور اسم جديد لم يكن ظاهرا من قبل لظهور مسمى جديد لم يكن من قبل موجودا فإن اللّه تعالى سماه ، أي يحيى عليه السلام باسم يحيى فهي تسمية اللّه تعالى له أوحى تعالى بها إلى أبيه زكريا عليه السلام وقد ابتدأ اللّه تعالى له التسمية بذلك كما ابتدأه في مقامه المخصوص فهي يحيى أي يحيا به ذكر أبيه زكريا عليه السلام بعد موته لأن بالولد يحيا ذكر الأب فيبقى مذكورا به بعد موته كما ورد في الحديث : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية وعمل ينتفع به وولد صالح يدعو له » . ولم يجعل اللّه تعالى له ، أي ليحيى عليه السلام من قبل ، أي قبل معنى ما ذكر من نداء زكريا عليه السلام نداء خفيا وكون امرأته عاقرا وطلبه الغلام من اللّه تعالى والبشارة له به وخلقه سميا أي أحدا يسمى بهذا الاسم فجمع اللّه تعالى لزكريا عليه السلام بين نعمتين عظيمتين حصول الصفة له التي كانت فيمن غبر ، أي مضى وتقدم من الأنبياء عليهم السلام وهي قوله ممّن ترك بعد موته ولدا من أولاده يحيا به ذكره بحيث كل من رآه وعرفه تذكر أباه أو ظهرت عليه أخلاق أبيه وكمالاته وعلومه فورثه في مقامه ، فإذا مات كان ذكره ، أي ما كان يتذكره من العلم حيا بحياة ابنه بعده وبين اسمه بذلك ، أي يحيى عليه السلام باسم